السرخسي
295
أصول السرخسي
على مورثه ، ولا تثبت في حق الصبي والمجنون عندنا أصلا ، لأنها عقوبة والأهلية للعقوبة لا تسبق الخطاب ، بخلاف الخاطئ إذا كان بالغا عاقلا ، فالبالغ العاقل مخاطب ولكنه بسبب الخطأ يعذر مع نوع تقصير منه في التحرز ، والصبي لا يوصف بالتقصير الكامل والناقص فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة كانت أو كاملة ، ولهذا لا تثبت في حق القائد والسائق والشاهد إذا رجع عن شهادته ، وحافر البئر وواضع الحجر ، لأنه جزاء على مباشرة القتل المحظور ، والموجود من هؤلاء تسبب لا مباشرة . وعند الشافعي هذا ضمان يتعلق بهذا الفعل بمنزلة الدية ، فيثبت في حق المسبب والمباشر جميعا وفي حق الصبي والبالغ ، وهذا غلط بين ، لأن الضمان ما يجب جبرانا لحق المتلف عليه ويسقط باعتبار رضاه أو عفو من يقوم مقامه ، وحرمان الميراث ليس من ذلك في شئ . فأما الدائر بين العبادة والعقوبة كالكفارات ، لأنها ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد ، فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب ، فمن هذا الوجه عقوبة فإن العقوبة هي التي تجب جزاء على ارتكاب المحظور الذي يستحق المأثم به ، وهي عبادة من حيث إنها تجب بطريق الفتوى ويؤمر من عليه بالأداء بنفسه من غير أن تقام عليه كرها ، والشرع ما فوض إقامة شئ من العقوبات إلى المرء على نفسه ، وتتأدى بما هو محض العبادة . فعرفنا أنها دائرة بين العبادة والعقوبة ، وأن سببها دائر بين الحظر والإباحة كاليمين المعقودة على أمر في المستقبل والقتل بصفة الخطأ ، ولهذا لم نجعل الغموس والعمد المحض سببا لوجوب الكفارة . وعند الشافعي رحمه الله هذه الكفارات وجوبها بطريق الضمان ، وقد بينا أن هذا غلط ، ووجوب الضمان في الأصل بطريق الجبران وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله تعالى ، لان الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه خسران حتى تتحقق الحاجة إلى الجبران ، وكان معنى العبادة في هذه الكفارات مرجحا على معنى العقوبة كما أشرنا إليه ، وتكفير الاثم به باعتبار أنه طاعة وحسن في نفسه ، قال تعالى : * ( إن الحسنات